الشيخ محمد علي التسخيري

108

محاضرات في علوم القرآن

على انقطاع الصلة بين القسم المكّي والقسم المدنيّ وتأثّرهما بالبيئة التي يعيشها محمّد صلّى اللّه عليه وآله فإنّ مجتمع مكّة لمّا كان مجتمعا اميّا لم يكن بقدرته التبسط في شرح المفاهيم وتفصيلها ، وإنّما أتته القدرة على ذلك عندما أخذ يعيش مجتمع المثقّفين المتحضّر في يثرب . وتناقش هذه الشبهة بالأمرين التاليين : الأوّل : إنّ القصر والإيجاز ليس مختصّا بالقسم المكّي بل يوجد في القسم المدنيّ سور قصيرة أيضا كالنصر والزلزلة والبينة وغيرها . كما أنّ الطول والتفصيل ليس مختصّا بالقسم المدنيّ بل يوجد في المكّي أيضا سور طويلة كالأنعام والأعراف . وقد يقصد من اختصاص المكّي بالقصر والإيجاز أنّ هذا الشيء هو الغالب الشائع فيه . وقد يكون هذا صحيحا ولكنه لا يدلّ بوجه من الوجوه على انقطاع الصلة بين القسمين المذكورين من القرآن الكريم ؛ لأنّه يكفي في تحقيق هذه الصلة أن يأتي القرآن الكريم ببعض السور الطويلة المفصّلة في القسم المكّي كدليل على القدرة والتمكّن من الارتفاع إلى مستوى التفصيل في المفاهيم والموضوعات . بالإضافة إلى أنّ من الملاحظ وجود آيات مكّية قد أثبتت في السور المدنيّة وبالعكس . وفي كلّ من الحالتين نجد التلاحم والانسجام في السورة وكأنّها نزلت مرّة واحدة ، الأمر الذي يدلّ بوضوح على وجود الصلة التامة بين القسمين . الثاني : إنّ الدراسات اللغوية التي قام بها العلماء المسلمون وغيرهم دلّت على أنّ الإيجاز يعتبر مظهرا من مظاهر القدرة الخارقة على التعبير ، وهو بالتالي من مظاهر الإعجاز القرآني . خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ القرآن قد تحدّى